سعيد حوي
3553
الأساس في التفسير
بهذه العبادة دينية ودنيوية ، لا توجد في غيرها من العبادة ، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس ، كالصلاة والصوم ، أو بالمال كالزكاة ، وقد اشتمل الحج عليهما ، مع ما فيه من تحمل الأثقال ، وركوب الأهوال ، وخلع الأسباب ، وقطيعة الأصحاب ، وهجر البلاد والأوطان ، وفرقة الأولاد والخلان ، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده ، ولا يأكل إلا من زاده ، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة ، وركب بحر الوفاة ، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده ، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده ، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط ، وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه مطيبا بالحنوط ، ملففا في كفن غير مخيط ، ثم المحرم يكون أشعث حيران ، فكذا يوم الحشر ، يخرج من القبر لهفان ، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغبا ورهبا ، سائلين خوفا وطعما ، وهم من بين مقبول ومخذول ، كموقف العرصات ، لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فمنهم شقي وسعيد ، والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء ، ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين ، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف ، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمنا ، من الإيذاء والقتال ، أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالما من الفناء والزوال ، غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية ، كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية ، فمرحبا بمن جاوز مهالك البوادي شوقا إلى اللقاء يوم التنادي ) . وقال صاحب الظلال في قوله تعالى : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ : ( والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة فالحج موسم ومؤتمر . الحج موسم تجارة وموسم عبادة الحج مؤتمر اجتماع وتعارف ومؤتمر تنسيق وتعاون وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة . . أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شئ من أطراف الأرض ، ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر ، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم . يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد . فهو موسم تجارة ومعرض نتاج ، وسوق عالمية تقام في كل عام . وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح . وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام . وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد .